فخر الدين الرازي
108
تفسير الرازي
لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى : * ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) * ( المجادلة : 1 ) عمومها فنقول فيها لطائف : اللطيفة الأولى : قوله : * ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ) * ( يس : 71 ) معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة ، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى : * ( أولم ير الإنسان ) * كلام أعم من قوله : * ( أو لم يروا ) * لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم ، فإن الإنسان قد يغفل عن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن ( لا يغفل ) هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون . فقال : إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه ، فما باله أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة ، فإن سائر النعم بعد وجوده وقوله : * ( من نطفة ) * إشارة إلى وجه الدلالة ، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو ، وكذلك الحال في كل عضو ، ولما كان خلقه عن خطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار بقوله تعالى : * ( يسقى بماء واحد ) * ( الرعد : 4 ) . وقوله : * ( فإذا هو خصيم مبين ) * فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه ، وذلك لأن النطفة جسم ، فهب أن جاهلاً يقول إنه استحال وتكون جسماً آخر ، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة ؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب فقوله : * ( خصيم ) * أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان النطق لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره ، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله : * ( مبين ) * إشارة إلى قوة عقله ، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ، لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى : * ( من نطفة ) * إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله : ) * خصيم مبين ) * إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى : * ( ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ) * إلى أن قال تعالى : * ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) * ( المؤمنون : 14 ) فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاماً إشارة إلى التغيرات في الجسم وقوله : * ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) * إشارة إلى ما أشار إليه بقوله : * ( فإذا هو خصيم مبين ) * أي ناطق عاقل . ثم قوله تعالى : * ( وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه ) * إشارة إلى بيان الحشر وفي هذه الآيات إلى